فوزي آل سيف
107
معارف قرآنية
ومن جهة أخرى لو كان له تلك الأشياء لكان محتاجا لها لحاجة كل مركب إلى أجزائه ، بينما الله هو ( الغني الحميد ) فأنت لكي تصبح انسانا كاملا تحتاج لأعضائك ؛ يدك ورجلك ووجهك وعينك فلو فرضنا إن هذه الأشياء انتزعت منك فأنت لا تبقى . إن الله لا يحتاج إلى شيء أبدا بل كل شيء غيره محتاج اليه هذا رأي الإمامية . ومثل ذلك الحديث عن ( كل شيء هالك إلا وجهه ) وما ورد من الأحاديث عند أتباع مدرسة الخلفاء إن الله يضع رجله في نار جهنم ،فإنه ينتهي إلى التجسيم والاحتياج ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. هذا في معرفة الله عز وجل . وتبين لنا أن الظهور الأولي لا يمكن الاعتماد عليه والركون إليه ، وإنما لا بد من معرفة المراد الحقيقي ، وذلك بالجمع بين هذا الظهور وسائر الادلة ، والآيات المباركات . ونفس الكلام يأتي في حق الأنبياء والمرسلين فهناك آيات تشير في ظاهرها إلى عدم عصمتهم بل وارتكابهم للذنب مثل ( وعصى آدم ربه فغوى )[202]، ومثل قضية موسى (ودخل على أهله في حين غفلة من أهلها فو.... )[203] ظاهر هذه الآية إن النبي موسى ارتكب جريمة قتل عمدي وأقر على نفسه وقال هذا من عمل الشيطان وأكد إن الشيطان عدو مضل مبين هذا ظاهر أولي للآية. وفي قضية نبي الله يوسف ( ولقد همت به وهم بها ....)[204] وآيات آخر في حق نبينا محمد صلى الله عليه وآله التي تنسب له الذنب و إن الله قد فتح له فتحا مبينا ليغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، هذا بحسب النظر الابتدائي الأولي .. هذا من جهة ومن جهة أخرى يرى آيات أخر تتعارض مع هذه الآيات ، مثل قوله ( إن الله اصطفى آدم ونوح ..... )[205] فهل الله يصطفي العصاة والغواة ، وبالنسبة للنبي موسى فهو أكثر الأنبياء ذكرا في القرآن وهو من أولي العزم وهو من السلسلة أو الذرية النبوية التي تنتهي لإبراهيم عليه السلام كيف ينسجم هذا مع القول بأنه قاتل يعمل عمل الشيطان؟ وكذلك قضية نبينا محمد صلى الله عليه وآله ، فإن الله يقول في شأنه ( إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله وسراجا منيرا )، السراج المنير دائم النورانية والهداية مستمرة من جهته فكيف نصنع في تلك الحالات ؟ نعود إلى ما ذكرنا به في بداية الحديث من : أن القرآن الكريم يحتاج لدليل يدل عليه ، ومبين له .. نعم في المستوى الأول فيما واجب على الناس إجمالا ، وفي مواضيع الأخلاق العامة .. لا نحتاج إلى ذلك خلافا لما ذهبت إليه المدرسة الأخبارية للشيعة الامامية الذين يقولون إن فهم القرآن عموما يتوقف على تفهيم المعصوم للناس فلابد من تفسيره بالروايات واللجوء للمعصوم لفهم الآيات وبغير هذه الطريقة لا مجال للوصول إلى معانيه . نقول كما هو الرأي المعروف في المدرسة الأصولية الامامية ، إن الآيات المحكمات يستطيع الناس أن يفهموها ـ في الجملة ـ لأنها جعلت على هذا الأساس مسهلة وميسرة قريبة للذهن . لكن علوم القرآن الأخرى وبطونه وحقائقه وأحكامه الفقهية بتفاصيلها تحتاج لدلالة الدليل المعصوم. وأيضا نقول مرة أخرى أن كل لفظ من الألفاظ له مرحلتان من الظهور والفهم ، المرحلة الأولى الظهور الأولي والظهور الحقيقي والمراد الجدي .
--> 202 ) طه / 121 203 ) 204 ) يوسف / 24 205 ) آل عمران / 33